بروفيسور مهند الفلوجي – لندن
ما من قائد أو مسؤول، ولا معلم أو طبيب، ولا تاجر أو مهني، ولا سياسي أو زعيم ناجح، إلا وفن الكلام وسحر الحديث هو رأس مال نجاحه؛ وللنبي محمد ﷺ حصة الأسد في فن الكلام وفي سحر التأثير (“فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بسِتٍّ: أُعطيتُ جوامعَ الكلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعبِ، وأُحِلَّتْ لي الغنائمُ، وجُعِلت لي الأرضُ طَهورًا ومسجدًا، وأُرسِلْتُ إلى الخَلقِ كافَّةً، وخُتِم بي النَّبيُّونَ”) – صحيح ابن حبان. وهناك مدارس خاصة في الغرب لتعليم الطلبة فن الكلام ليكونوا قادة المستقبل للبلاد.
وقوة الكلمة وسحرها تكمن في فن كسب قلوب الناس، وكيفية اجتذاب واستقطاب المقابل بالحديث الشيق، وتوظيف مفردات كلام ذوات تأثير مغناطيسي في فن التعامل والكلام والتحكم بمشاعر الآخرين وإنقيادهم لما تريد.
عبر سنوات تعاملي الشخصي الطويل في مجال الحياة عامةً، وفي حقل الطب خاصةً، وتدريبي المهني على فنون الإدارة في معهد القادة والإداريين في إنجلتره، ومما استقيته من حصيلة دراساتي ومشاهداتي الميدانية ومواكبة الأحداث عبر زمن طويل، إدّخرت مخزوناً رصيناً ونادراً من خبرات متراكمة في فنون الكلام المؤثر وسحر الحديث الجذّاب، ابتداءً من سلبيات تلكؤ سابقاً، وتعلمي منها لاحقاً، وتدريبي المستمر على تصحيحها في مجال الحياة الواسع، واستثمارها بنجاح في مجالات الحياة عموماً، وفي حقلي الطبي المهني خصوصاً.
وفن الكلام موضوع نفيس بل هو القلب النابض لكسب القلوب وكيفية التعامل مع الناس. وهذا موضوع خطير، قلّما يُدرّس نظرياً أو عملياً في المدارس والمعاهد والجامعات، وإن كان التواصل Communication and Inter-Connection أمسى موضع إشادة حديثة بالغة الأهمية في النجاح المهني وفي التعيين الوظيفي، بل وفي شتى مناحي التعامل المهني في الحياة، خصوصاً في تعامل الأطباء مع المرضى! وصارت تخصص له دورات (كورسات) تدريب مهني كثيرة في شتى بقاع المعمورة.
وللكلمة مسؤولية Accountability تقتضي المسائلة والمحاسبة لقوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون) الصافات:24 أي قفوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا. بل إن الإنسان أسير كلمته لقوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق:18، أي ما يتكلم من كلام ويلفظه إلا لديه ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب الحافظ المتتبع لأمور الإنسان يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو مَلَكُ اليمين، وكاتب الشر مَلَكُ الشمال. والكتابة شاملة للقول والفعل أيضاً، لقوله تعالى: (وَإِنَّ عَـلَيْكُمْ لَحَافِـظِينَ*كِرَاماً كَاتِبِينَ*يَعـْلَمُونَ مَا تَفْعـَلُونَ) الإنفطار:10-12. وقال العلماء: يكتب على الإنسان كل شيء حتى أنين المرض، فإذا كان آخر النهار محا عنه ما كان مباحاً (نحو انطلق، اقعد، وكل ما لا يتعلق به أجر أو وزر)، فلا يكتب إلا ما يؤجر به أو يؤزر عليه. والحقيقة أنه ليس هناك أحد أصدق من الله قولاً وخبراً كما قالها رب العزة: (ومن أصدق من الله قيلا) النساء:122
وفي حديثه ﷺ لمعاذ بن جبل، قالَ ﷺ: “رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُهُ الصَّلاةُ، وذروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قالَ: ألا أخبرُكَ بملاكِ ذلِكَ كلِّهِ؟ قُلتُ: بلَى يا رسولَ اللَّهِ، قال: فأخذَ بلِسانِهِ، قالَ: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللَّهِ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقال: ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم “. صحيح الترمذي
“إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ”. صحيح البخاري
إن أثَرَ الكلمةِ وما يَترتَّبُ عليها مِن أجْرٍ أو وِزرٍ قضية في غاية الخطورة، فقد يتكلم العبدَ بالكَلمةِ مِمَّا يَرْضاهُ اللهُ ويُحِبُّه، لا يَلتفِتُ لها قلْبُه وبالُه؛ لِقِلَّةِ شَأنِها عندَه، فيَرْفَعُه اللهُ بها دَرَجاتٍ في الجنَّةِ، وإنَّه لَيتكلَّمُ بالكَلمةِ الواحدةِ مِمَّا يَكْرَهُه اللهُ ولا يَرْضاهُ، لا يَلتفِتُ بالُه وقلْبُه لعِظَمِها، ولا يَتفكَّرُ في عاقِبتِها، لكِنَّها عندَ اللهِ عَظيمةٌ في قُبحِها، فيَهْوِي بها ويَسقُط بسَببِها في دَرَكاتِ جَهَّنَمَ.
وأضف لذلك قوله ﷺ: “كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سَمِع” أي يحدّث بكل ما هبّ ودبّ ولا يبالي، لأن المؤمن ينتقي، فلا يحدث إلا بشيء ينتقيه لينفع به، مصداقاً لقوله ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”.
وهنا تَحذيرٌ لخُطورةِ الكَلِمةِ؛ فإنَّ الكَلِمةَ إذا لم تَخرُجْ مِن الفَمِ فالإنسانُ مالِكُها، فإذا خرَجَت كان أسِيرَها. فقدْ يَخرُجُ المُسلِمُ مِن إسلامِه بسَببِ كَلِمةٍ، كما أن دخوله الإسلام يكون ينطق كلمة (الشهادة)، وقدْ يَنصُرُ اللهُ الإسلامَ بكَلمةٍ.
وفي حديثه ﷺ الماتع الرائع: “صنائع المعروف تقي مصارع السوء” يعدّ القول الطيب إحدى صنائع المعروف (التي تشمل القول و الفعل) التي تحمي صاحبها من عواقب الأمور والقتل.
والعكس من ذلك كما في المقولة الشهيرة: (لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك)، فإن الكلمة قد تأتي بحتف صاحبها في الدنيا قبل الآخرة. فكم من لسان جنى على صاحبه، وكم من شاعر قتله مقاله أو شعر قصيدته، وهذا موضوع يستحق الذكر مع بعض الإسهاب والإطناب ليتعـظ به الناس والقُـرّاء (سنذكره لاحقاً إن شاء الله).
ومن هنا كان أختيار السفراء يتميز بكفاءتهم ووسامتهم ودبلوماسيتهم في القول فيعتمدون اللطف والتورية ولا يغيظوا المقابل بالكلام. كانت بريطانيا تختار الأشقر الطويل أزرق العينين للسفارة في الهند والشرق الأوسط ليبدو مختلفا عن الآخرين، فكان لورنس العرب سفيراً للشريف الحسين في الحجاز، كان أشقراً طويلاً أزرق العينين.
ولقد أختار رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ليكون سفيره في المدينة؛ فكان بحق أول سفير في الإسلام، بل والمبعوث الشخصي لقائد الأمة ونبيها محمد ﷺ، وهو المشهور قبل الإسلام بجماله وارتدائه أفضل الملابس وأغلاها وتعطُّره بأجمل العطور، فعُرِف بـ”أعطر أهل مكة“، فكان هذا الصحابي الجليل مصعب بن عمير أوّل من هاجر من مكة إلى المدينة، يُفقّه الأنصار ويعلّمهم دينهم، ويدعو الجميع إلى الإسلام، ويهيأ المدينة ليوم الهجرة النبوية العظيمة، وكان مصعب بن عمير يُلقّب بـ (المقرئ) وهو أول من لُقّب بهذا، أي المقرئ، حتى تمت الهجرة النبوية الشريفة وبداية بناء دولة الإسلام.
وما هذه المقالات إلا كورس/دورة تعليمي إداري مهني مكثف وفريد، يتناول فـن الكلام ومهارات التواصل والتأثير وكيفية كسب القلوب بالمعاملة الحسنة.
الهدي النبوي في فن التعامل
تقعيد القواعد العامة
- طيب الكلام (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) [البقرة:83]:
هي القاعدة الأولى والكبرى في فن الكلام والتعامل مع الناس؛ يتكرر ذكرها في القرآن صراحة أو ضمنًا، كقوله تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} [الحج:24]، وقوله: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء:53]، وقوله: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46].
ومن اللطائف أن هناك قراءة أخرى لحمزة والكسائي: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَناً}. قال أهل العلم: “والقول الحسن يشمل: الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته: أن يكون باللطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيراً، لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير، وكل قول خير فهو حسن” [تفسير العثيمين:3/196].
وقوله تعالى : (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) – وهدوا إلى الطيب من القول أي أرشدوا إلى طيب الكلام في الدنيا، وقراءة القرآن من طيب الكلام. وهدوا إلى صراط الحميد أي إلى صراط الله (الإسلام). ومن معاني الكلمة الطيبة هي: شهادة أنَّ لا إله إلَّا الله ، فإنَّها تُثْمِر جميعَ الأعمال الصَّالحة الظاهرة والباطنة، وهي الكلمة التي تَسُرُّ من يستمع إليها وتنفعه، وتُحدث أثراً طيِّبا في نفسه وقلبه، ولا تحمل الأذى، ولا تدعو للشرِّ، وغايتها النَّفع، وثمرتها العمل الصَّالح.
فاضيئوا أرواح الناس بطيب الكلام ، الكلمة الطيبة لا تكلف شئ ولكن اثرها يبقى في نفوس الآخرين، يقول المصطفى ﷺ (الكلمة الطيبة صدقة)، وقد كان سيد الخلق يوصف بأنه حلو الكلام وعذب الحديث وطيب المعشر، وقد نزلت عليه الآية الكريمة (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).
والكلمة الطيبة والذكر الحسن من أعظم الآثار التي يتركها المرء في الدنيا وبعد الممات لمن يقتدوا بها.
قال تعالى: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) يس:12
معنى الآية: إنا نحن نحيي الموت (عند البعث)، ونكتب ما قدموا (من الأعمال من خير وشر)، وآثارهم) أي: ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة .قال النبي ﷺ: “من سن في الإسلام سنة حسنة يعمل بها من بعده، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا”. وآثارهم التي كانوا سببا فيها في حياتهم وبعد مماتهم من خير كالولد الصالح، والعلم النافع، والصدقة الجارية، والذكر الحسن والكلمة الطيبة، ومن شر كالشرك والعصيان. وما فعلوه من حسن وسوء، وما اقتدى به أحد من الخلق. في إمام مبين (أي في اللوح المحفوظ).
والكلمة الطيبة صدقة تحجب المؤمن من النار؛ ففي الحديث المتفق عليه (في صحيح البخاري: حدثنا شعبة قال ذكر النبيﷺ النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه ثم ذكر النار فتعوذ منها وأشاح بوجهه قال شعبة أما مرتين فلا أشك ثم قال: «اتّقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة» والكلمة الطيبة شعبة من شعب الإيمان؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (متفق عليه). وبالكلمة الطيبة تتحقق المغفرة لقوله ﷺ: «إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام» (رواه الطبراني)، بل إن الكلمة الطيبة سبب لدخول الجنة لقوله ﷺ: «في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها لمن ألان الكلام وأطعم الطعام بات لله قائمًا والناس نيام» (رواه أحمد في مسنده).
ورسول الله ﷺ هو المثل الأعلى لأمته لم يكن فظًا غليظًا، بل كان سهلًا سمحًا، لينًا، دائم البشر، يواجه الناس بابتسامة حلوة، ويبادرهم بالسلام والتحية والمصافحة وحسن المحادثة، علَّمنا أدب التخاطب وعفة اللسان. عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلتُ يا رسولَ الله، أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: ((مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده))؛ متفق عليه. وقال ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» (رواه ابن الحاكم في المستدرك على الصحيحين).
بل المرء ينال بحلو لسانه ما لا ينال بقوة سلطانه، ويظفر بجميل القول وحسن الكلام ما لا يظفر بسلاطة اللسان وحدّ الحسام. فاللسان باب حماية للإنسان من مصاعب ومشاكل الدنيا، وفي خزينة الأمثال العراقية المثل الشهير:
اللسان الحلو يطلّع الحَيّه من الزاغور. وهو مثلٌ عراقي يُضرب ُ للرجل ِ يتلطف ُ الوصول لحاجتهٍ بكلام ٍ لطيفٍ، والزاغور هو جُحر الحية ووكرها الذي تختبئ فيه. يرتبط هذا المثل بقصه خيالية فيها حكمة بليغة. فيروى أن رجلا كان يعيش في بيت قديم مع زوجته وولده. وكان في البيت حيّة تعيش في جحر (زاغور) بأحد حيطانه منذ أمد بعيد. وكان الرجل يكره الحيّة في بيته، ويخشى منها على ولده. وذات يوم رأى الرجلُ الحيّةَ تهمّ بدخول جحرها، فأسرع إليها ليقتلها، لكنها أفلتت منه، ودخلت جحرها لتنجو بحياتها. ومنذ ذلك اليوم، أضمرت الحيّة للرجل وأهل بيته شراً. وفي صباح أحد الأيام، رأت الحيّة ربة البيت تعدّ الفطور لزوجها وولدها، فتضع الحليب في أواني على مائدة الطعام. فاغتنمت الفرصة للإنتقام، فجاءت إلى الحليب فذرفت فيه من السم الزعاف ما يكفي لقتل جمع كثير. ثم عادت ودخلت جحرها. ثم استيقظ الرجل من نومه، فسمعت الحيّة زوجته تلومه على كراهيته للحيّة ومحاولته قتلها. وقالت له: (إنت غلطان. هذي الحيّة ساكنة معنا لسنين، وصارت من أهل البيت، وأنا أحبها مثل حبي لولدي). فأجابها: (والله، أنا متندم على ما فعلته بها. ومن الآن فصاعدا سوف أعامل الحيّة مثل معاملتك ومحبتك لها). فانصتت الحيّة لحديثهما، وندمت هي الأخرى على فعلتها من ذرف السم في الحليب. فأسرعت من جحرها، وذهبت لموضع رماد، فتمرغت فيه. ثم راحت لأواني الحليب فلوثتها بالرماد، ليصير غير قابل للشرب، وهكذا أنقذت العائلة من موت محتّم. ثم علمت المرأة بأمر الحية مع الحليب، وخروجها من جحرها لتلوّثه. كما علمت أن الحيّة إنما فعلت ذلك بعد استماعها لكلامها وكلام زوجها. فقالت في ذلك: (اللسان الحلو يطلّع الحيّة من الزاغور). وهكذا علم الناس بذلك الأمر، فعجبوا من فعل الكلام الطيب. فـذهب ذلك القول مثلاً.
والكلمة معيار للسعادة أو الشقاء، ففي الصحيحين أنه ﷺ قال: «إنّ العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم». فكم من كلمة طيبة تدفع عن مسلم أذى، أو تنصر مظلومًا، أو تفرِّج كُربة، أو تعلّم جاهلًا، أو تذكّر غافلًا، أو تهدي ضالًا، أو ترأب صدعًا أو تطفئ فتنة؟! وكم من مشاكل حُلّت، وكم من صِلات قَوِيَت، وكم من خصومات زالت بكلمة طيبة؟! واللسان الطيب الحلو هو قلب الخلق القويم، وله مردود تجاري مهني مكلل بزيادة الرزق والبركة، إذ يستقطب الزبائن، ويستدر الأرباح، ويجذب القلوب، ويُكثِر الشر:
وعلى العكس من ذلك، فكم من كلمة خبيثة مزقت بين القلوب، وفرقت بين الصفوف، وزرعت الأحقاد والضغائن في النفوس وخربت كثيرًا من البيوت؟ فمن ألجم لسانه بلجام الإيمان وعطّره بطيب الأقوال قاده الرحمن إلى الرضوان وأعالي الجنان، ومن لطَّخَ لسانه بقبح الكلام من زور وفُحش وكَذِب وبهتان هوى به الشيطان إلى دركات النار، فعـن محادثة مُعَـاذ بن جَبَلٍ: قَالَ رسول الله ﷺ: أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَارَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخبِرُكَ بِملاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَارَسُولَ اللهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَامُعَاذُ. وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَو قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلسِنَتِهِمْ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه).
وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: (مَن يضمنْ لي ما بين لَحْيَيْه وما بين رجلَيْه، أضمنْ له الجنة) البخاري.
وعن عقبةَ بنِ عامر قال: قلت: يا رسولَ الله، ما النجاة؟ قال: (أمسك عليك لسانَك، ولْيَسَعْك بيتُك، وابكِ على خطيئتك) صحيح الألباني
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه – رَفعه – قال: (إذا أصبح ابنُ آدم، فإن الأعضاء كلَّها تكفر اللسان، فتقول: اتقِ اللهَ فينا؛ فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوجَجْت اعوججنا)؛ رواه الترمذي، وابن أبي الدنيا، وغيرهما.
نحتاج هذه القاعدة بكثرة، خاصةً وأننا في حياتنا نتعامل مع أصناف مختلفة من البشر، فيهم المسلم وفيهم الكافر، وفيهم الصالح والطالح، وفيهم الصغير والكبير، بل ونحتاجها للتعامل مع أخص الناس بنا: الوالدان، والزوج والزوجة والأولاد، بل ونحتاجها للتعامل بها مع من تحت أيدينا من الخدم ومن في حكمهم. فمثلاً:
1ـ مع الوالدين : {وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} [الإسراء:23] وهو الأمر بالقول الكريم، بلا تعنيف، ولا تقريع ولا توبيخ.
2ـ مخاطبة السائل المحتاج: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى:10] بل بعض العلماء يرى عمومها في كل سائل، سواء كان سائلاً للمال أو للعلم، قال بعض العلماء: “أي: فلا تزجره ولكن تفضل عليه بشيء أورده بقول جميل” [تفسير الألوسي:23/15].
3 ـ ومن التطبيقات العملية لعباد الرحمن، بقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} [الفرقان:63]: والمعنى: “وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول، أجابوهم بالمعروف من القول، والسداد من الخطاب” [تفسير الطبري:19/295]. وهم يقولون ذلك “لا عن ضعف ولكن عن ترفع، ولا عن عجز إنما عن استعلاء، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة بما هو أهم وأكرم وأرفع” [الظلال:5/330].
ومن المؤسف أن نرى كثرة الخرق والتجاوز لهذه القاعدة في واقع أمة القرآن، فمثلاً:
1ـ دعاة التبشير للنصرانية يحرصون على تطبيق هذه القاعدة، لأجل كسب الناس لدينهم المنسوخ بالإسلام!
2ـ في التعامل مع الوالدين.
3ـ في تعامل الزوج مع زوجه.
4ـ مع الأولاد.
5ـ مع العمالة والخدم.
وقد نبهت آية الإسراء إلى خطورة ترك تطبيق هذه القاعدة، فقال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء:53]! فعلى من ابتلي بسماع ما يكره أن يحتمل أذى من سمع، ويعفو ويصفح، وأن يقول خيراً، وأن يقابل السفه بالحلم، والقولَ البذيء بالحسن، وإلا فإن الرد بالقول الرديء يستطيعه أي أحد وكل من هبّ ودبّ. وهذه واقعة لأحد دهاقنة العلم وهو الإمام مالك – رحمه الله – مع الشاعر الذي قضى عليه بحكم لم يرق له، فتهدده بالهجاء، فقال له مالك: “إنما وصفتَ نفسك بالسفه والدناءة، وهما اللذان لا يعجز عنهما أي أحد، فإن استطعت أن تأتي الذي تنقطع دونه الرقاب فافعل: الكرم والمروءة” [ترتيب المدارك:1/59].
إن الكلام الليّن يغسل ضغائن النفوس، ويحول العدو اللدود إلى حميم ودود. مرّ يهودي يجر وراءه كلبًا بإبراهيم بن أدهم فأراد أن يستفزه فقال له: يا إبراهيم أَلِحْيَتك أطهر من ذَنَب هذا الكلب أم ذنبه أطهر منها؟ فرد عليه إبراهيم بهدوء المؤمن وأدبه وقوة حجته: إن كانت لِحْيتي في الجنة فهي أطهر من ذَنَب كلبك، وإن كانت في النار لذنب كلبك أطهر منها.. فما كان من اليهودي إلا أن قال: دينٌ يأمر بهذه الأخلاق حريّ بي أن أتّبعه، ونطق الشهادتين!!!
- تذكر ان التعامل مع الانسان أصعب من التعامل مع آلة من الآلات، بل وأصعب من التعامل المادي بالدرهم والدينار. فالإنسان جسم وروح وعقل ومشاعر. فلا بد من التوجه لجوانب الإنسان كلها؛ فيجب عدم اقتصار الحديث على الفكر والعقل دونما اعتبار لمشاعر المقابل، فلا ينفع الحوار الفكري مع فقير جائع (لان البطون الخاوية لا تفكر في المعاني السامية). فلا ينفع أصحاب المصانع اقتصار حديثهم بالعمال على الماديات البحتة: كم ينتح؟ وكم ساعة يعمل؟ ولماذا تغيّب عن العمل؟ ويهملون جوانب النفس والفكر والمشاعر وظروف العمال! وما أصدق الشاعر أبو فتح البستي:
أقبل على النفس واستعمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
وإن أسـاء مسيء فليكن لك في * عروضِ زلّته صَفحٌ وغـفـران
وكن على الدهر معـواناً لذي أملٍ * يرجو نداك فإن الحرّ معـوان
تذكر ألا فرق بين كبير وصغير، فالبالغ طفل كبير والطفل بالغ صغير (Adult is a big child and child is a young adult) لذا عامل الكبير كطفل صغير، دغدغ مشاعره، وشجّعه وانفخ به، وتقرب له بالهدايا، واشعره بقيمته ووزنه.
- المصداقيَّة في النصيحة: فكما أن الكلام يجب أن يكون مصحوباً بصدق المتكلم، فما خرج من الجَنان (القلب) يستقر في الجَنان، وما خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان!
فذلك هَدْيُ الأنبياء (عليهم السَّلام)، إذ كانوا يقولون لأقوامهم: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) [الأعراف: 67-68]
وقال تعالى حاكيًا عن فرعون أنَّه قال لقومه: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29]، فظاهِرُ قوله أنَّه صادقٌ في نصح قومه، وأنَّه يرشِدُهم إلى ما فيه نفعُهم! ولكنَّه في الحقيقة كاذبٌ دجَّال؛ حالُه كحال إبليس اللَّعين حينما قال لأبينا آدمَ وأُمِّنا حوَّاء: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 21]، وهو أكذب الكاذبين!
فمن حسن كلام الناصح:
- أن يصلح نفسه ويتقي الله أولاً ويكون صادقاً مخلصاً في نصحه؛ قال ﷺ: “يُبْصِرُ أحدُكم القذَى في عينِ أخيهِ ويَنْسَى الْجِذْعَ في عينِهِ”.
- وأن تكون النصيحة سراً (لا جهراً) بين الناصح والمنصوح؛
- وان تكون النصيحة بلين ورفق؛
- وأن يقتصد بالنصح بلا اسهاب ولا تكرار؛
- وأن يصحب كلماته بالنظر المباشر وجهاً لوجه مع المقابل تعبيراً عن تفاعله وانسجامه مع الآخر، لا أن يكلم المقابل من علوٍ دون النظر بوجهه كأن ينصح وهو مطرق النظر لجهاز التلفزة أو ممعن بالنظر في أوراقه وتلفونه الجوال، حتى إذا سكت الحوار وانقطع الآخر عن المحادثة بسبب عدم اهتمام المتكلم به، رمقه بنظرة عابرة ليكمل الحديث؟؟!!
واليوم صار (التواصل بلا كلام Non-Verbal Communication) مُهمّاً مثل التواصل بالكلام، إن لم يكن أكثر أهمية منه!
- حسن الخلق والألفة:
فالمسلم سهل العريكة، لين الجانب، طلق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة، سهل الانقياد، يقبل النصيحة ويأخذ بها من أي فرد، ويتصف بالسماحة، ولا يكبّر الأمور، ولا يكون مِلحاحاً في نقاش أو حوار (فالإلحاح يفك اللحام، أي مجازاً أن كثرة الدق تفك عرى اللحيم أي تفكك عرى الصداقة)، وإنما يأخذ الأمور بالهون واللين، فاللّين: هو سهولة الانقياد للحقّ، والتلطّف في معاملة النّاس وعند التّحدّث معهم. والإنسان الهين اللين السهل تستطيع أن تتكلم معه بسهولة وأريحية، وعندما تعتذر له يقبل منك الاعتذار، دون أدنى صعوبة، لا يُصعّب الأمور ولا يعقّدها؛ فهو سهل المعاملة، ويعيش على مبدأ المسامحة، ولذلك تراه قريباً من قلوب الناس.
قال ﷺ: (أكْمَلُ المؤمنين إيمانًا أَحْسَنُهم خلقًا) – صحيح أبي داود. ولتفصيل حسن الخلق قال ﷺ:
(المُؤمِنُ يألَفُ ويُؤلَفُ ولا خيرَ فيمَنْ لا يألَفُ ولا يُؤلَفُ، وخيرُ النَّاسِ أنفَعُهم للنَّاسِ). [الطبراني: المعجم الأوسط]
وقال ﷺ: (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمِ إِلَيَّ وأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجَالِسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاَقاً الْمُوَطَّؤُونَ أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ ويُؤْلَفُونَ)
مُوَطَّأُ الأَكْنَافِ: مَنْ يُمْكِنُكَ مُصَاحَبَتُهُ دُونَ أَنْ يُؤْذِيَكَ (وأيضاً الكَرِيم المِضْيَاف).
ولقد أُمرنا بالتشبه بالإبل لخصاله الحميدة: كالصبر، والسماحة، والانقياد، وعدم العناد، وقبول النصيحة، وأخذ الأمور بالهوْنِ ولينُ الجانب؛ فقد روى أن النبي ﷺ قال: (المؤمنون هينون لينون؛ كالجمل الأَنِف -أي الذلول-؛ إن قيد انقاد، وإذا أنيخ على صخرة استناخ) – رواه البيهقي وابن المبارك في الزهد.
ونفهم من قوله ﷺ: “المؤمنون هينون لينون….” ، استجابة المرء لأوامر الله تعالى دون تلكؤ، كالجمل الذلول الذي يسوقه الصغير والكبير، لا يمتنع عن أحد منهم…
وأما ثواب من اتصف بهذه الصفات الحميدة، ففي قوله ﷺ: (حَرُم على النارِ كلُّ هيِّنٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناسِ) – صحيح الترمذي، وأحمد، وابن حبان، والطبراني. فالأصل في المؤمنين أن يكونوا هينين لينين فيما بينهم، وأشداء على عدوهم، وليس العكس كما هو حالنا، قال تعالى: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الفتح:29
وعندما أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، قَالَ لَهُ ﷺ: “هَوِّنْ عَلَيْكَ؛ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ“؛ وهو اللحم المجفف المملح، ولذلك كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله [تعبير مجازي عن ملازمته لا مسّ يده] فتنطلق به حيث شاءت، حتى يحل لها مشكلتها ويقضي حاجتها؛ لأنه ﷺ هين لين مع الناس، يتواضع لهم.
فبعض الناس لو دخل بيته فوجد الزوجة لم تُعد طعامه، لأقام الدنيا ولم يقعدها، وضخّم حجم المشكلة، وكم سمعنا من قصص كانت نهايتها الطلاق بسبب أمور تافهة، بينما الرسول ﷺ كان أحياناً يدخل بيت عائشة رضي الله عنها، فيقول “هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟”, فتقول: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، فيقول: “فَإِنِّي صَائِمٌ“؛ انظروا كيف هوّن المشكلة، وليس شرطا أن تصوم، فالمطاعم منتشرة في كل مكان، فسهّل الأمور، فالمؤمنون هينون لينون كالجمل الأَنِف، إن قيد انقاد، وإذا أنيخ استناخ. وترى البعض هيناً ليناً مع الناس، ولكنه صعب مع أهل بيته، لا يأخذ بمشورة أهله أو أولاده، ويرى أنهم لا زالوا صغارا في عينيه، بل ويرى أن الأخذ برأيهم عيباً أو نقصاً في أبوته أو رجولته، عملاً بحديث (شاوروهن وخالفوهن) وهو حديث لا يصح (ضعفه السخاوي في المقاصد الحسنة، والشوكاني في الفوائد)، بل قيل أنه موضوع (حكم عليه بعض العلماء بالوضع)، ومنسوب زوراً للنبي ﷺ. فلا بأس بأخذ رأي المرأة الموافق للحق ، ولقد أخذ النبي ﷺ بمشورة النساء مرات عديدة:
- أخذ برأي أم سلمة رضي الله عنها، حين أمر الصحابة أن يحلّوا إحرامهم ويحلّقوا رؤوسهم في صلح الحديبية. وصار هذا دليلاً لجواز استشارة المرأة الفاضلة، وذلك لفضل أم سلمة وموفور عقلها.
- وقد أخذ نبي الله شعيب ﷺ برأي ابنته حين قالت عن موسى ﷺ: (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين).
- وفي الصحيحين من حديث أم عطية رضي الله عنها عندما غسّلت زينب بنت النبي ﷺ قال لها النبي ﷺ: (اغسلنها خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك). فردّ الرأي إليهن في ذلك.
فالمؤمنون هيّنون ليّنون كالجمل الأنٍف، قال تعالى:
(فبمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلك)ِ آل عمران: 159
وعلى عكس ذلك، فبعض أفراد المجتمع عندما يرون الرجل هيناً ليناً طيب المعشر مع الناس، عابوا عليه هذه الخصلة، وأعدوه ضعيف الشخصية، وكأنّ الرجلَ في نظرهم لا تكتمل رجولته إلا بالقسوة والغلظة ونبذ المشورة.
ومن الناس من يرفض أن ينصحه أحد، ولا يأخذ إلا برأيه، ويرى رأي غيره هو الخطأ، وقد يرد عليه متعالياً: “أمثالك لا يعلمني”، بينما المؤمنون هينون ليون كالجمل الأنٍف، يقبلون النصح من أي فرد.
ولا بد من العلم بأن اللين له حدود، كيلا يصبحَ ضعفاً وخنوعاً ونوعاً من اللامبالاة، وقديماً قيل: “لا تكن رطباً فتعصر ولا يابساً فتكسر”؛ ولهذا رُوي عن لقمان عليه السلام أنه قال لابنه: “يا بني! لا تكن حلواً فتبلع، ولا مراً فتُلفظ، فإن خير الأمور أوسطها”؛ أي أعدلها. وينبغي العلم أن المرادَ بأن المؤمنين هينون لينون: أن تكون سهلاً في أمر دنياك ومهمات نفسك، وأن لا يكون اللين في ذل ولا ضعف، أما في أمر الدين، فلا هوادة في الحق ولا تنازل، وإنما يكونُ المرءُ شديدُ الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه.
كذلك المسلم سهل القياد إذا أُمر بالخير ودُل عليه كالجمل الأٍنف، يسهل قياده في طاعة الله -تعالى-، وطاعة ولي أمره بالمعروف, وقد روى الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟, قَالَ: (قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ) – رواه أحمد وابن ماجه.
فالمؤمن ينقاد حيثما قُيّد بالنصوص، وقد جاء في الحديث: (لينوا بأيدي إخوانكم). ولكن هذا الإنقياد واللين، لا يستدعي أن يُجرّ حيثما أراد من أراد أن يجرّه، ويستهويه من حيث من أراد أن يجلبه إلى هواه، لأن (المؤمن كيّس فَطِن) وليس بالمغفّل الساذج، و(كَيِّس) أي عاقل والكيس العقل، والكياسة هي التعقل، (فَطِن) أي ذا بصيرة نافدة لأن الفطنة حدة البصيرة في بذل الأمور يفطن بزيادة نور عقله إلى ما غاب عن غيره. فما بالك برجل مؤمن صادق ذو عقل راجح وبصيرة نافدة يدرك بواطن الأمور فصار حازماً حذراً ما سيقع فلا يؤتى من جهة الغفلة. كما إنه (لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ) وفيه: أدبٌ شريفٌ أدَّب به النبيُّ ﷺ أمَّتَه ونبَّهَهم كيف يَحْذَرون ما يخافون سوءَ عاقبتِه، وسببُ هذا الحديثِ أنَّه ﷺ أسَر أبا عزَّةَ الشَّاعرَ يومَ بدرٍ، فسأل النبيَّ ﷺ أن يمُنَّ عليه بإطلاقِ سَراحِه، وذكر فَقْرَه وقِلَّةَ مالِه، فمَنَّ عليه، وعاهَده ألَّا يُحرِّضَ عليه ولا يَهجُوَه، فأطلَقَه، فلَحِق بقَومِه، ولكِنَّه لَمَّا رجع إلى مكَّةَ استهواه صَفوانُ بنُ أُمَيَّةَ وضَمِنَ له القيامَ بعيالِه، فخرج مع قريشٍ لحربِ النبيِّ ﷺ، ورجَع إلى التَّحريضِ والهجاءِ، ثمَّ أُسِر يومَ أُحدٍ، فطلَبَ مِن النَّبيِّ ﷺ المَنَّ عليه مرَّةً أُخرى، فقال ﷺ: (لا يُلدَغُ المؤمنُ مِن جُحْرٍ واحدٍ مرَّتَينِ)، وهو من جوامِعِ الكَلِمِ اوالفصاحة والبلاغة لتي لم يُسْبَقْ إليها النبيُّ ﷺ، بل كان أوَّلَ من أنشأها وصاغها. وفي الحَديثِ: التَّعلُّمُ مِن الخطأِ، وعدمُ تكرارِه. وكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (لست بالخب ولا الخب يخدعني)، والخبّ هو: المخادع الغادر. وهذا مما قاله رسول الله ﷺ (من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار) رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني.
- منفعة الناس ومثل المؤمن كالنحلة:
قال ﷺ: (أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِي مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ اعْتَكِفَ في هذا المسجدِ، يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا، ومَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، ولَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ، [وإِنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ] الألباني: السلسة الصحيحة
وفي مسند الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال:
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ لَكَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا وَوَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِر ولم تُفْسِدْ) – صححه الألباني.
شبه الرسول ﷺ المؤمن بالنحل، لصفاته الحميدة، عدد منها الرسول ﷺ أنها :
تأكل الطيب، وتضع الطيب، وإذا وقعت على عود لم تكسره، ولم تفسد.
ومجموع هذه الصفات تعتبر علامة فارقة في النحل دون غيره من الحشرات، فليس من الحشرات ما ينفع نِتاجه مثل النحل (العسل وشمعه وحبوب لقاحه وصمغه وغذاءه الملكي وحتى سمّه ينفع ذوي المفاصل).. وليس من الحشرات ما ينتقي ما يقع عليه مثل النحل من رحيق الأزهار الفواحة (لذا كان أطيب العسل هو البري الجبلي الذي ينتقي فيه النحل زهوره بنفسه لا بانتقاء الناس؛ والعسل الخارج من بطونها من أطيب الإفرازات الحيوانية وأنفعها على الإطلاق ولذلك امتدحه القرآن).. ورعي النحل للزهور وأعواد الورود وبساتين البراعم رعي حنون، فهي لا تهجم هجوم الجراد، ولا تعيث عيث الزنابير، كما أن رعيها للزهور تلقيح لها لتثمر، وحتى بيوت النحل وخلاياه يشيدها بعيدة عن مرمى البصر حتى لا يؤذي بها أحدا ..والنحل بطبعه لا يلسع إلا من آذاه .. وهو يسيح في كل مكان، إذا رأى حيوانا أو بشرا تحاشاه.
ومما لم ذكره النبي ﷺ من صفات النحل أنه دؤوب مجتهد في عمله يثابر طوال يومه في بناء خليته، والمحافظة على نسله، وأن له شجاعة وإقداما، فيضحي بنفسه من أجل أمته، ومن صفاته حب العمل الجماعي المتكامل.. وأنه لا يتبرم من العمل فلا يكل ولا يمل من العمل.. بل يعمل في صمت، ولا ينتظر منصبا أو مكانة في خليته .. بل يعمل وهو يعلم أن مصيره الموت .. وقد ضرب لنا الرسول ﷺ المثل في النحل للتأمل والتبصر والاقتداء …وهذا درس واحد من حديث واحد عن النبي ﷺ.
- مخاطبة الناس على قدر عقولهم
إنزال الناس منازِلَهم، وذلك باتِّخاذ الأسلوب المناسب معهم، فكما هو معلومٌ أنَّ الناس ليسوا على درجةٍ واحدة، بل هم درجاتٌ متفاوتة، فيتَّخِذ مع كلِّ واحد أسلوبًا يناسبه؛ فإمام المسلمين يسلك في نصحه أسلوبًا مناسِبًا لمقامه، والعالِمُ يَسلك في نصحه أسلوبًا يناسبه، والأب والأم يتَّخذ معهما أسلوبًا يناسبهما ويليق بِهما، والجاهل يتخذ معه أسلوبًا يفيده، والمعانِد يتخذ معه أسلوبًا يليق به… وهكذا.
قال ﷺ: ( نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم). وهذا الخبر جاء أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: (نحن معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم).
وقال ابن الجوزي : ولا ينبغي أن يملي ما لا يحتمله عقول العوام .
وقال البخاري قال علي رضي الله عنه: ( حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يُكذّب اللهُ ورسوله).
وقال ابن مسعود: (ما أنت محدث القوم حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم) رواه مسلم موقوفاً في المقدمة وعزاه بعضهم إلى البخاري.
وروى الحاكم في تاريخه بإسناده عن أبي قدامة عن النضر بن شميل قال : سئل الخليل عن مسألة فأبطأ بالجواب فيها قال : فقلت ما في هذه المسألة كل هذا النظر قال: فرغت من المسألة وجوابها، ولكني أريد أن أجيبك جوابا يكون أسرع إلى فهمك! قال أبو قدامة: حدثت به أبا عبيد فسُرّ به .
وفي تاريخ عبد الله بن جعفر السرخسي عن عبد الله بن أحمد سمعت الربيع سمعت الشافعي يقول: (لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله، ما فهمنا عنه/ لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه) .
قال النبي ﷺ لرجل كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد وأقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ! فقال النبي ﷺ: (حولها ندندن)!!! صحيح أبي داود.
والدندنة: طنطنة كلامٍ يُسمع نغمته ولا يُفهم (كلام خفيّ) أي حول الجنة والنار والادعية التي نقولها تدور حول الوصول إلى الجنة والسلامة من النار. وفيه التواضع وعدم التكلف في الدعاء فالمهم اخلاص الدعأء لله.




